أمير الظل: مهندس على الطريق
هي حكاية الألم التي تجرعها الأسير «عبد الله البرغوثي» في ظُلمة الزنازين، حيث نظم حروف مشاهدها في 165 صفحة، يبدأ الأسير – المحكوم عليه بالمؤبد 67 مرة – روايته بالرد على رسالة ابنته الكبرى «تالا» التي شهدت لحظة اعتقاله عام 2003، تلك الرسالة التي خلت من أي حروف وعلامات إلا الاستفهام: «من أنت؟، ولماذا أنت؟»، تسأل عن ذلك الأب الذي تركها في السيارة لحظة اعتقاله، وسافر خلف القضبان دون أن يُحدد موعدًا للرجوع.
ويبدو أن صعوبة السؤال ووجع الإجابة جعلته يخط روايته «أمير الظل: مهندس على الطريق» في ترنيمة أشبه إلى السيرة الذاتية، كتبها في ظلمة العزل الانفرادي، تلك الزنزانة الشبيهة بالحد الفاصل بين الحياة والموت، ليُعرِّف بذاته ويمنح ابنته تالا إجابة، علّها تُعينها على لجم خوفها وتمنحها فرصة لترى والدها؛ الممنوع عليها زيارته ورؤيته إلا في بعض صورٍ التقطها في رحلاته وأسفاره الطويلة والبعيدة قبل أن يُأسر.
يعرض الكاتب في روايته التي صدرت طبعتها الأولى عام 2012، سيرته من الميلاد ثم الخروج مع عائلته إلى الكويت والعودة مُجددًا إلى الأردن بعد الغزو العراقي للكويت 1990، لتواجه صنوف معاناة وألم وفقر كبير بكل تحدٍ وكبرياء، ورغم أنه لم يكن يحمل شهادة الثانوية العامة إلا أنه افتتح محلًا لميكانيكا السيارات، هوايته المفضلة التي لم تُسعفه كثيرًا في توفير المال، فانتقل إلى كوريا لمدة ست سنوات كانت التجربة الأغنى، درس خلالها الهندسة الكهربائية وعمل في التجارة، هناك أتقن الكمبيوتر والاتصالات وفطن إلى تفاصيل عملها الدقيقة.
وفي توليفة غنية بالإنسانية؛ يعرض تجربته وكيف عاد إلى فلسطين بعد زيارة في نهاية التسعينيات، والصدفة التي جمعته بالمقاومة، وكيف بات خليفة للشهيد يحيى عيّاش، ويُبرز للقارئ كيف أن عبقريته في فهم الإلكترونيات قادته إلى الاستزادة بالمعرفة لصنع المتفجرات والتحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى تفخيخ السيارات لتنفيذ عمليات عسكرية ضد الأهداف الإسرائيلية.
تمتاز كتابات البرغوثي بأسلوبها البسيط الأقرب إلى المُحاكاة الصريحة لكل ما شاهد وعاش بعيدًا عن زخرفة الألفاظ والتعابير، كما أنها تمنح القارئ فرصة للتعرف على سير المقاومين الأفذاذ الذين ربطتهم علاقة مباشرة معه.

تعليقات
إرسال تعليق